محمد بن محمد ابو شهبة
296
المدخل لدراسة القرآن الكريم
عنها ، وعبد الرزاق أيضا ، وجاء عنها أيضا : خمس رضعات ، وهي ما يدل عليها رواية مسلم التي معنا ، فاختلاف الرواية عنها يدل على أنه كان باجتهاد منها استندت فيه على ما ظهر لها من السنة ، ولو كان قرآنا لما نقل عنها كل هذا الاختلاف « 1 » . وقال الإمام النووي في شرحه على مسلم « 2 » : واعترض أصحاب مالك على الشافعية - يعني القائلين بأن لا حرمة إلا بالخمس - بأن حديث عائشة هذا لا يحتج به عندكم ، وعند محققي الأصوليين ؛ لأن القرآن لا يثبت بخبر الواحد ، وإذا لم يثبت قرآنا لم يثبت خبر الواحد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأن خبر الواحد إذا توجه إليه قادح يوقف عن العمل به ، وهذا إذا لم يجئ إلا بآحاد مع أن العادة مجيئه متواترا توجب ريبة ، واللّه أعلم . وهكذا يتبين لنا أن الأئمة على أنه ليس بقرآن قط ، وأقصى درجاته أن يكون خبرا صحيحا ، وأما رواية أكل الداجن فهي مردودة ومتهافتة ، وليس أدل على هذا من أن القرآن كان محفوظا في الصدور ، فضياع صحيفة منه - فرضا - لا يؤثر في ثبوت قرآنيته ما دامت تحفظه الكثرة الكاثرة من المسلمين ، ثم إن القرآن كان مكتوبا في العسب ، والرقاع والعظام وصحائف الحجارة ، ومثل هذه الأشياء مما لا يتيسر في العادة للداجن أن تأكله ، ولا سيما والرواية لم تعين لنا نوع هذا الداجن ، أهو شاة أم حمام أم غيرهما . فإن قال قائل : فكيف يتفق ما ذهب إليه من تأويل وما ثبت في الرواية « كان فيما أنزل من القرآن » . قلت : المراد كان فيما أنزل من شرح القرآن وبيانه ، ولا شك أن السنة شارحة للقرآن ومبينة له قال اللّه تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وأيضا فإن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن ، ويكون
--> ( 1 ) المرجع السابق . ( 2 ) ج 10 ص 30 .